المزادات العلنية للإسكان في البحر الأحمر بين فلسفة السوق وحق الشباب فى السكن


المزادات العلنية للإسكان في البحر الأحمر بين فلسفة السوق وحق الشباب فى السكن


كتب /أيمن بحر


لم يعد الحديث عن أسعار الإسكان فى محافظة البحر الأحمر مجرد شكوى عابرة بل تحول إلى سؤال جوهرى حول آلية التسعير ومن المستفيد الحقيقى من منظومة المزادات العلنية التي باتت تتحكم فى طرح الأراضى والوحدات السكنية فالمزاد فى جوهره أداة اقتصادية تعتمد على المنافسة الحرة وترفع السعر إلى أقصى ما يمكن أن يتحمله السوق لكن عندما يتعلق الأمر بالإسكان الاجتماعي وسكن الشباب فإن المسألة لا تتوقف عند حدود العرض والطلب بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية تمس استقرار المجتمع بأكمله

فى البحر الأحمر شهدت السنوات الأخيرة توسعا فى الاعتماد على المزادات العلنية لطرح الأراضي والمشروعات وهو ما أدى بطبيعته إلى ارتفاع الأسعار نتيجة التنافس بين المتقدمين ومع كل زيادة فى سعر الأرض تنعكس التكلفة مباشرة على سعر الوحدة السكنية سواء فى مشروعات الإسكان المتوسط أو حتى الاجتماعي بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع تكلفة التنفيذ والخدمات والمرافق

تثار تساؤلات عديدة حول الرسوم والنسب التي تحصلها اللجان المشرفة على المزادات والتى يقال إنها تصل إلى اثنين فى المئة وهى نسبة قد تبدو محدودة على الورق لكنها فى الواقع تضاف إلى سلسلة من التكاليف الإدارية والإنشائية والتمويلية لتشكل عبئا إضافيا في النهاية على المواطن البسيط فالسوق لا يتحمل تلك الزيادات بل يعيد تحميلها على السعر النهائى

النتيجة الطبيعية لهذه المنظومة هى اتساع الفجوة بين دخل الشباب وأسعار الوحدات المطروحة فالشاب الذي يبحث عن بداية مستقرة يجد نفسه أمام أرقام تفوق قدرته الشرائية فيضطر إما إلى الاقتراض لسنوات طويلة أو الاتجاه إلى الإيجار بأسعار مرتفعة هى الأخرى تأثرت بموجة الغلاء ومع ارتفاع قيمة الأراضي ترتفع تلقائيا قيمة الإيجارات فى دائرة مغلقة تزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية

المشكلة لا تكمن في فكرة المزاد ذاتها بل فى تطبيقها على ملف يحمل بعدا اجتماعيا حساسا فالإسكان ليس سلعة ترفيهية بل حق أساسي يرتبط بالاستقرار وتكوين الأسرة والإنتاج والعمل وعندما تتحول آلية الطرح إلى أداة لرفع السعر فقط دون مراعاة للبعد الاجتماعي فإن الخاسر الأكبر يكون فئة الشباب محدودي ومتوسطي الدخل

الحاجة اليوم ليست لإلغاء المزادات بالكامل بل لإعادة النظر في نطاق استخدامها بحيث تقتصر على المشروعات الاستثمارية والسياحية بينما يتم تثبيت أو تسعير أراضي الإسكان الاجتماعي وفق معايير تحقق التوازن بين تكلفة الدولة وقدرة المواطن كما يمكن تعزيز الشفافية في إدارة المزادات والإعلان عن تفاصيل التكاليف والرسوم بصورة واضحة لضمان الثقة المجتمعية

كما أن التوسع في نظم التمويل العقاري المدعوم وخفض أعباء الرسوم وتبسيط الإجراءات قد يسهم في تقليل الضغط على الشباب ويعيد جزءا من العدالة للسوق العقارية في المحافظة فاستقرار سوق الإسكان لا يقاس فقط بحجم الإيرادات بل بقدرة المواطن على الحصول على مسكن كريم

إن ملف الإسكان في البحر الأحمر يحتاج إلى رؤية متكاملة توازن بين اعتبارات الاستثمار وحقوق المواطنين فالدولة تسعى إلى تعظيم مواردها لكن الحفاظ على حق الشباب في السكن يجب أن يظل أولوية لا تخضع بالكامل لمنطق المزاد والمنافسة السعرية لأن استقرار المجتمع يبدأ من باب منزل يستطيع الشاب أن يفتحه بثقة وأمان

إرسال تعليق

0 تعليقات