🎬 السينما المصرية: الرقابة والجرأة.. صراع الأفكار في "الملحد" و"السلم والثعبان"
بقلم: [علاء محسن ]
لطالما كانت السينما المصرية مرآة صادقة ومُقلقة للمجتمع، لا تكتفي بعرض الواقع بل تسعى لاختراق جدران الصمت حول القضايا الأكثر حساسية: الجنس، والسلطة، والدين. هذا الدور المحوري وضعها دائماً في مهب الريح بين دعوات التحرر الفني وقيود الرقابة المجتمعية والأخلاقية. ويبرز هذا الصراع بوضوح عند النظر إلى أعمال تتسم بـ "الجرأة" في الطرح العاطفي، وأخرى تلامس أعقد التابوهات الفكرية كـ "الإلحاد".
الجرأة العاطفية: صدمة الواقع في "السلم والثعبان"
في مطلع الألفية، قدم فيلم "السلم والثعبان" (2001) للمخرج طارق العريان نموذجاً للجرأة التي لم تكن تُقصد بها الإثارة الرخيصة بقدر ما كانت توثيقاً لتحولات علاقات الجيل الجديد. لم يقدم الفيلم نفسه كـ "فيلم جريء" بامتياز، بل كشف عن واقع العلاقة بين الرجل والمرأة في بيئة حديثة ومتحررة نسبياً.
تمثلت جرأة الفيلم في النقاط التالية:
الوضوح العاطفي والجنسي: لم يتحرج الفيلم من مناقشة علاقات ما قبل الزواج، والخيانة، واللغة الحوارية غير التقليدية التي يعيشها الشباب في السر. لقد كان لغة سينمائية تكسر حاجز الخجل القديم.
هدم الصورة النمطية: الشخصيات هنا ليست مثالية، بل تعيش صراعات داخلية بين الحب والشك والحرية والالتزام، ما جعله مادة خصبة للجدل حول مدى "أخلاقية" هذا التقديم للواقع.
ورغم الهجوم والانتقادات التي وُجّهت للفيلم حينها، إلا أنه شكّل علامة فارقة في تطوير لغة السينما الاجتماعية، مؤكداً أن الجرأة الحقيقية تكمن في كسر قيود التعبير عن المشاعر لا في استعراضها.
التطرف الفكري: الجدل المُسبق حول "الملحد"
على الجانب الآخر من الطرح، تأتي الأعمال التي تتناول موضوعات الشك والإيمان، لتضع السينما المصرية أمام تحدٍ آخر وأكثر خطورة. فيلم "الملحد" (إذا افترضنا خروجه للنور أو تحقيقه الجدل المتوقع) يمثل نقطة تماس خطيرة مع تابو "الإلحاد"، وهو الموضوع الذي نادراً ما يتم التعامل معه بشكل مباشر في السينما العربية خوفاً من الهجوم الفكري والاتهام بالترويج له.
السينما، عند تناولها لهذا الموضوع، تقع بين مطرقة الاتهام وسندان التنوير:
المخاطرة بالتفسير: مجرد طرح فكرة الشك الديني على الشاشة يُعد مغامرة، حيث يُنظر إليها غالباً على أنها تبني وتأييد للشك نفسه، وليس مجرد مناقشة له كظاهرة اجتماعية وفكرية موجودة.
الرقابة الذاتية والفعلية: غالباً ما تلجأ السينما إلى تقديم الشخصية المتشككة/الملحدة في صورة سلبية أو ذات نهاية مأساوية، لإرضاء الرقابة وإثبات "النتيجة الصحيحة" للقصة، مما يُفقد العمل عمقه في مناقشة القضية بإنصاف.
يُعد الجدل حول فيلم مثل "الملحد" دليلاً على أن القضايا الفكرية والدينية لا تزال تشكل الخط الأحمر الأكثر صلابة أمام صُناع الأفلام، وأن مجرد محاولة اقتحامه تستدعي نقاشاً واسعاً حول حدود الحرية الفنية ومسؤولية الفن تجاه المجتمع المحافظ.
خاتمة: صراع الوجود بين الفن والرقابة
إن المقارنة بين "السلم والثعبان" الذي جرؤ على الواقع الاجتماعي و"الملحد" الذي يسعى لاختراق الفضاء الفكري والديني، تُظهر أن السينما المصرية تسير على حبل مشدود. فبينما تحققت انتصارات في التعبير عن الحياة العاطفية والجنسية، لا يزال الطريق طويلاً وشائكاً أمام مناقشة الأفكار الفلسفية والدينية بحيادية وجرأة حقيقية، بعيداً عن أحكام الإدانة المسبقة.
ستبقى السينما هي الساحة التي تتصارع فيها الأفكار، ويبقى السؤال: إلى أي مدى سيسمح المجتمع المصري لصُنَّاع أفلامه بالنظر بعمق في أكثر جوانبنا إنسانية وتعقيداً؟

0 تعليقات