الشرق الأوسط على حافة تحول استراتيجي عالمي- سبع حقائق يجب أن يفهمها العالم قبل فوات الأوان
بقلم: الدوقة نيفين الجمل
في ظل التصعيد المتزايد في الشرق الأوسط، أصبح واضحاً أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل لحظة تاريخية قد تعيد تشكيل النظام الدولي والاقتصاد العالمي. فالتوتر الحالي لا يتعلق فقط بالصراع العسكري، بل يمتد إلى أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق المالية، ومستقبل موازين القوى بين الدول الكبرى.
لفهم الصورة الكاملة، هناك سبع حقائق استراتيجية يجب التوقف عندها بجدية.
أولاً: هل مضيق هرمز هو القضية الأساسية؟
نعم — يعتبر مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق للطاقة في العالم.
هناك حقائق أساسية لا يمكن تجاهلها:
• حوالي 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا المضيق يومياً.
• الممر الملاحي ضيق للغاية — حيث يبلغ عرضه في أضيق نقطة حوالي 33 كيلومتراً فقط.
• حتى مجرد شائعات عن ألغام بحرية أو هجمات يمكن أن تعطل حركة الشحن لأن شركات التأمين تتوقف عن تغطية ناقلات النفط.
تشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران تمتلك ما بين 2000 إلى 6000 لغم بحري يمكن استخدامها لإغلاق أو تعطيل حركة السفن. وتشمل هذه الأنظمة أنواعاً متقدمة مثل الألغام الصاروخية الصاعدة EM-52 القادرة على استهداف السفن من تحت الماء، إضافة إلى أنظمة إطلاق ألغام من الساحل مثل منظومات فجر-5.
لذلك فإن عامل الخوف وحده يمكن أن يعطل الأسواق العالمية.
وقد شهد التاريخ مثالاً واضحاً على ذلك خلال ما عُرف بـ حرب الناقلات في الثمانينيات، حيث أدت هجمات محدودة نسبياً إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري.
الحقيقة الاستراتيجية هي أنه لا يحتاج الأمر إلى آلاف الألغام لإحداث الفوضى في حركة التجارة العالمية.
ومع ذلك، فإن إغلاق المضيق بالكامل لفترة طويلة ليس أمراً سهلاً، لعدة أسباب:
• الأسطول الخامس الأمريكي يتمركز في البحرين.
• يمكن إزالة الألغام البحرية، وإن كان ذلك ببطء.
• العديد من دول الخليج ستعتبر الإغلاق الكامل للمضيق عملاً حربياً مباشراً.
ثانياً: هل يمكن للولايات المتحدة غزو إيران؟
أي غزو بري كامل لإيران سيكون أحد أكبر العمليات العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.
والسبب أن إيران تختلف جذرياً عن العراق عام 2003.
المقارنة بين العراق عام 2003 وإيران اليوم توضح حجم الاختلاف الاستراتيجي:
• عدد السكان:
العراق عام 2003 كان يبلغ عدد سكانه حوالي 25 مليون نسمة،
بينما يبلغ عدد سكان إيران اليوم حوالي 90 مليون نسمة، أي ما يقارب أربعة أضعاف.
• التضاريس الجغرافية:
العراق يتكون في معظمه من صحارى مفتوحة وسهول واسعة،
بينما تتميز إيران بـ جبال معقدة ومدن كبيرة وكثيفة السكان، ما يجعل العمليات العسكرية أكثر صعوبة.
• القدرات العسكرية:
الجيش العراقي في 2003 كان جيشاً تقليدياً ضعيفاً نسبياً بعد سنوات من العقوبات،
بينما تمتلك إيران اليوم ترسانة كبيرة من الصواريخ إضافة إلى قوات غير نظامية وشبكات عسكرية متعددة.
• التحالفات والنفوذ الإقليمي:
العراق آنذاك كان معزولاً إلى حد كبير على المستوى الإقليمي والدولي،
بينما تمتلك إيران شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ في عدة مناطق في الشرق الأوسط.
لهذا السبب يرى كثير من الخبراء أن أي صراع واسع مع إيران سيكون أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه الوضع في العراق عام 2003.
أي عملية غزو بري قد تتطلب مئات الآلاف من الجنود وقد تستمر لسنوات طويلة.
ولهذا يعتقد معظم المحللين العسكريين أن الاستراتيجية الأمريكية — في حال التصعيد — ستعتمد على:
• الضربات الجوية
• العمليات البحرية
• الحرب السيبرانية
• الضغوط الاقتصادية
وليس احتلالاً برياً كاملاً.
ثالثاً: هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟
هذا الوصف قد يبدو درامياً، لكنه غير مرجح في الوقت الحالي.
فالحرب العالمية تتطلب عادة:
• مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى الكبرى.
أي أن دولاً مثل:
• الصين
• روسيا
يجب أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
وهو سيناريو لا ترغب فيه أي من هذه القوى بسبب خطر التصعيد النووي.
حتى الآن، تميل القوى الكبرى إلى تجنب المواجهة المباشرة، وتتنافس عبر:
• الدبلوماسية
• العقوبات الاقتصادية
• الحروب غير المباشرة
• الضغوط الاقتصادية
هناك تصور لدى بعض صناع القرار بأن القصف العسكري المكثف يمكن أن يؤدي إلى انهيار سريع للنظام السياسي في إيران. لكن التاريخ يقدم دروساً مختلفة تماماً.
خلال الحرب العالمية الثانية تعرضت ألمانيا واليابان لقصف جوي هائل لسنوات طويلة، ومع ذلك لم تنهَر مؤسسات الدولة أو المجتمعات إلا في المراحل النهائية من الحرب بعد مواجهات عسكرية شاملة.
وهذا يثير سؤالاً أساسياً:
من افترض أن القصف وحده يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام في دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران؟
حتى الآن تشير التقارير إلى أن الحرب التي بدأت في 28 فبراير أدت إلى مقتل 7 جنود أمريكيين وإصابة نحو 140 آخرين، بينما تستمر الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة في استهداف مواقع مختلفة في المنطقة.
ثالثاً: الصراع قد يتحول إلى حرب اقتصادية على النظام المالي العالمي.
رابعاً: هل الصراع يتعلق بنظام “البترودولار”؟
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالجانب العسكري، بل تمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكل منذ سبعينيات القرن الماضي.
لا يمكن فصل التوترات الحالية عن النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكل منذ اتفاقيات 1974، عندما أصبح تسعير النفط بالدولار أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الدولي فيما يعرف بنظام البترودولار.
لقد ساهم هذا النظام في جعل الدولار العملة الأكثر استخداماً في التجارة الدولية، كما أعادت الدول المنتجة للطاقة استثمار جزء كبير من عائداتها في الأصول الأمريكية.
فمنذ اتفاقيات 1974 أصبح تسعير النفط بالدولار أحد الأعمدة الرئيسية للنظام المالي العالمي، فيما يعرف بنظام إعادة تدوير البترودولار، حيث يتم استثمار عائدات النفط في الأصول الأمريكية مثل السندات الحكومية والأسواق المالية.
اليوم، ومع تصاعد التوترات، ظهرت دعوات داخل بعض الدول المنتجة للطاقة لإعادة النظر في هذا النظام وتنويع العملات المستخدمة في تجارة النفط والغاز.
كما أن بعض التقديرات تشير إلى أن دول الخليج تمتلك ما يقارب 2 تريليون دولار من الاستثمارات في الأصول الأمريكية، ما يجعل أي تغير في هذا التوازن الاقتصادي مسألة ذات تأثير عالمي واسع.
العالم أمام مفترق طرق خطير
إذا استمر التصعيد العسكري وارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، فقد تجد العديد من الدول نفسها مضطرة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي من أجل تسديد ديونها بالدولار.
كما أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى انقسام اقتصادي عالمي أوسع بين الغرب من جهة، ودول آسيا والجنوب العالمي من جهة أخرى.
الحاجة إلى الحكمة قبل الانزلاق إلى حرب أوسع.
الشرق الأوسط منطقة عانت طويلاً من الصراعات والحروب. والشعوب في هذه المنطقة تستحق مستقبلاً أكثر استقراراً وأمناً.
لم يعد الشرق الأوسط منطقة تخضع لنفوذ قوة واحدة كما كان الحال في العقود الماضية.
اليوم نرى مشهداً أكثر تعقيداً:
• الولايات المتحدة ما زالت قوة رئيسية في المنطقة.
• إيران تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً في عدة ساحات.
• الصين توسع حضورها الاقتصادي.
• روسيا تعزز شراكاتها الاستراتيجية.
وهذا التحول يعكس انتقال العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى دبلوماسية جادة وشجاعة سياسية تمنع الانزلاق إلى صراع قد تكون عواقبه كارثية على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.
إن السلام ليس خياراً ضعيفاً، بل هو الخيار الأكثر حكمة في عالم مترابط يعتمد فيه الجميع على الاستقرار المشترك.
يرى بعض المحللين أن الصراع الحالي مرتبط أيضاً بالنظام المالي العالمي.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي يتم تسعير معظم تجارة النفط بالدولار الأمريكي.
كما أن دول الخليج أعادت استثمار جزء كبير من عائداتها النفطية في الأصول الأمريكية.
لكن النظام الاقتصادي العالمي بدأ يتغير تدريجياً:
• الصين بدأت شراء النفط بعملتها اليوان.
• روسيا تتعامل خارج النظام المالي الغربي في بعض الصفقات.
• ظهرت اتفاقيات ثنائية تستخدم عملات مختلفة في تجارة الطاقة.
ومع ذلك يبقى الدولار العملة المهيمنة لأن:
• الأسواق المالية العالمية تثق به.
• السندات الأمريكية تعد من أكثر الأصول أماناً.
• الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأكبر في العالم.
وبالتالي فإن التحول بعيداً عن الدولار عملية بطيئة وليس انهياراً مفاجئاً.
خامساً: هل يمكن أن تتعرض الولايات المتحدة لهزيمة استراتيجية؟
في عالم الجغرافيا والسياسة الدولية، لا تعني الهزيمة دائماً خسارة المعركة العسكرية.
قد تظهر الهزيمة في صورة:
• تراجع النفوذ السياسي
• فقدان ثقة الحلفاء
• اضطراب النظام الاقتصادي العالمي
• صعود قوى جديدة في مناطق النفوذ التقليدية
ولهذا فإن أخطر ما في الأزمات الكبرى ليس نتائجها العسكرية فقط، بل تداعياتها الجيوسياسية طويلة المدى.
هناك عدة سيناريوهات محتملة:
التصعيد:
حرب إقليمية واسعة تشمل الخليج وإسرائيل.
الجمود العسكري:
استمرار الضربات والضغوط الاقتصادية لسنوات.
التسوية السياسية:
وساطة دول مثل
• الصين
• روسيا
• سلطنة عمان
• قطر
والتاريخ يثبت أن معظم أزمات الشرق الأوسط تنتهي بالمفاوضات وليس بالانتصار الكامل لأي طرف.
سادساً: الواقع الجديد للشرق الأوسط
الشرق الأوسط اليوم أصبح نظاماً متعدد الأقطاب.
• النفوذ الأمريكي لا يزال قوياً.
• إيران تمتلك نفوذاً إقليمياً.
• الصين توسع نفوذها الاقتصادي.
• روسيا تبني شراكات استراتيجية.
بمعنى آخر، لم يعد هناك طرف واحد يسيطر بالكامل على المنطقة.
سابعاً: التقييم الواقعي للأزمة
الكثير من التحليلات المتداولة تعكس حالة القلق العالمي، لكن بعض الروايات المتداولة تبقى تحليلات أو تكهنات وليست حقائق مؤكدة.
ومن بين الادعاءات التي لم يتم تأكيدها بشكل موثوق حتى الآن:
• بدء حرب أمريكية إيرانية في 28 فبراير
• اغتيال المرشد الأعلى الإيراني
• تدمير أنظمة الرادار في الخليج
• إغلاق كامل لمضيق هرمز لأسابيع.
كلمة أخيرة
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تبدأ أحياناً بسلسلة من الحسابات الخاطئة وسوء التقدير.
لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الحكمة السياسية قادرة على منع الكوارث إذا تحلى القادة بالشجاعة اللازمة لاختيار طريق الدبلوماسية.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى رؤية سياسية تضع الاستقرار والازدهار فوق منطق الصراع.
وفي زمن تتشابك فيه مصالح العالم اقتصادياً وسياسياً، يصبح السلام مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
ما لا يختلف عليه أحد هو أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط ستكون لها تداعيات هائلة على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.
ولهذا فإن العالم اليوم يحتاج إلى الحكمة والدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.
فالقوة الحقيقية لا تكمن في إشعال الحروب، بل في القدرة على منعها.
وفي أوقات الأزمات الكبرى، يصبح صوت السلام أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
وبصفتي سفيرة للسلام وناشطة في مجال حقوق الإنسان، ومن خلال عملي مع المعهد الأمريكي للدبلوماسية وحقوق الإنسان (USIDHR) وتعاوني مع منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، أواصل العمل من أجل تعزيز ثقافة الحوار والسلام، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، ونشر الوعي بحقوق الإنسان حول العالم.
الدوقة نيفين الجمل
لندن – المملكة المتحدة 🕊 🕊️

0 تعليقات